Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

الكاتب

خالد السروجي

اقرأ أيضاً للكاتب

الفتى الأبيض

 
 
 

اتصل بالكاتب

عدد القراءات

Hit Counter

 

 

 

 
 

                                     الفريسة

 كانت السيدة الصغيرة تشعر بالإحباط وهى تقف أمام باب عيادة طبيب الأسنان . كان الباب مغلقا . لم تنم الليلة الفائتة بسبب ألم أحد الأضراس . وضعت يدها على زر الجرس  . ضغطت الزر ثلاث مرات ، ثم أنزلت يدها بحركة يائسة . ولم تكن تدرى أن عينا تراقبها من وراء العين السحرية للباب المقابل لعيادة الطبيب وأن هذه العين تنتظرها منذ أن طقطق حذاؤها على أول درجات السلم . ولم تدر أيضا أن هذه العين تتربص دائما لطقطقات الأحذية النسائية التى تعلو بشكل لافت بفعل رخام السلم وهدوء المنزل الشديد ، فتلتقطه الأذن المتربصة المتربة .

أنفرج باب الشقة المواجه لباب عيادة الطبيب ببطيء، ليكشف عن امرأة عجوز . كانت العجوز تلبس ثوبا طويل ، وعلى رأسها طرحة سوداء أيضا انحسرت قليلاً عن الرأس لتكشف عن شعر فضى لامع كانت منحنية ، وتكاد تكون فى انحنائها تشبه رقم أثنين.

مظهرها كان كئيبا إلى الدرجة التى جعلت قلب السيدة الصغيرة ينقبض لمرآها ، خاصة وقد صاحب فتح باب شقة العجوز هبوب رائحة عفونة .

قالت المرأة العجوز بصوت مرتعش :

        -" الممرضة تأخرت عن موعد فتح  العيادة " 

قالت السيدة الصغيرة :

-" لا باس . سأنتظرها هنا "

قالت المرأة العجوز :

-" تفضلى أنا أعرف  تليفون منزل الدكتور . سأتصل به ليأتى حالا . منزله قريب من هنا "

فتحت العجوز الباب عن أخره :

          - " تفضلى "    

السيدة بدافع الإحراج عبرت باب الشقة بخطوات خجولة، ولكنها بمجرد أن خطت داخل الشقة ، حتى شعرت بالخوف . الإضاءة داخل الشقة كانت ضعيفة . الأثاث قديم متهالك . براويز الصور الأبيض والأسود المعلقة على حائط الصالة ، توحى بالكآبة ، بالإضافة إلى رائحة العفونة التى تغمر الشقة  .

أنخلع قلب السيدة الصغيرة ، عندما أغلقت المرأة العجوزة باب الشقة . استولت عليها على الفور وساوس واخيله عن أشخاص يخرجون من إحدى الغرف يذبحونها ثم يستولون على حليها الذهبية . شعرت بالسخط على نفسها لأنها قبلت الدخول فى شقة غربية . تساءلت فى نفسها : هل استدرجتها العجوز إلى فخ ؟ . شعرت بالندم كانت لا تزال تقف أمام العجوز بالقرب من الباب .

قالت السيدة الصغيرة بصوت هامس :-

- " أشكرك سأنتظرك الدكتور بالخارج " .

ربتت العجوز على كتف السيدة فشعرت السيدة بقشعريرة تسرى فى جسدها :

- " أنت مثل ابتنى . لا يصح أن تنتظرى على السلم " 

دفعت العجوز السيدة الصغيرة  برفق إلى الداخل ، فأزداد توجس السيدة وفكرت في الصراخ ولكن شيئا فى داخلها أحبط هذه الصراخ وأجله إلى أول بادرة سوء .

ما أن جلست السيدة الصغيرة على أحد كراسى الصالة ، حتى جالت ببصرها فى أرجاء الشقة التى تنبعث رائحة العفونة من كل أرجائها . توقف نظرها على الحائط المرصع بالصور الأبيض والأسود . كانت العجوز تتابع نظرتها .

أشارت العجوز إلى صورة رجل غليظ الملامح يحمل شارب غليظ أيضا :

- " أنه المرحوم زوجى . كان طبعه صعبا .؟ معاملته كانت جافة ، ولكن تعودت عليها . فى أول الأمر كنت أحزن عندما كان يشتمنى ، أو تمتد يده إلى ، ولكننى فى نهاية الآمر لم أعد أتأثر كثيرا من ذلك . تعودت عليه . كل رجل له بعض الطباع السيئة . رحل منذ عشر سنوات . صراخه وشتائمه أرحم بكثير من أن يجلس الإنسان ليكلم نفسه طوال النهار "

السيدة الصغيرة التى بدأ أثر الدواء المسكن يزول عنها ، بدأت آلام الضرس تعاودها من جديد ، وأخذت تفكر بغيظ بعد أن هدأت هواجسها قليلا من ناحية العجوز فى الممرضة التى لم تفتح العيادة حتى الآن والطبيب الذى تأخر.

واصلت العجوز :

- " الأيام تمضى متشابهة .لا يزورنى أحد كما ترين . أحاول خدمة نفسى على قدر استطاعتى " .

أشارت العجوز إلى برواز كبير يحمل صورة نصفية لشاب فى ملابس عسكرية :

- " أبنى . مات فى النكسة . كادت عينى تنطفى حزنا عليه ".

نهنهت بصوت خفيض . مسحت عينيها فى الطرحة السوداء ، ثم تمخطت فى طرفها :

- " لا زلت أبكيه حتى الآن .

كانت السيدة الصغيرة قد أصابها الملل وهاجمها آلم الضرس بضراوة ، وشعرت بعدم قدرتها على الإنصات للمرأة العجوز .     

قالت السيدة الصغيرة بنفاد صبر :

          - " قلت أنك تعرفين رقم تليفون الدكتور . هل يمكننى الاتصال به "

قالت العجوز بلهجة مذنب يعترف :

- " معذرة يا أبنتنى . ليس لدى تليفون " .

انتقضت السيدة الصغيرة واقفة ، وهى توجه إلى العجوز نظرات ملتهبة .

قالت العجوز بود :

- " لا تتعجلى . سيأتى الطبيب حالا . أنظرى إلى هذه الصورة . أنها أبنتى . هذه صورة زفافها . هى فى أمريكا الآن مع زوجها " .

دون أن ترد السيدة الصغيرة ، اندفعت تجاه باب الشقة . فتحت الباب . أغلقته وراءها بعنف . اندفعت تعدو إلى السلم غاضبة . كادت أن تصطدم بسيدة أخرى كانت تصعد السلم . السيدة الصاعدة كان كعب حذاءها يطقطق على درجات السلم ، بينما شرعت عين فى أن تتخذ مكانها خلف العبن السحرية للباب المغلق توا .