|
الفتى
الأبيض
لم
يكن حلمه بالبالطو الأبيض ، وهوى زميلة الطب ذات البشرة الحليبية ، وقطته
السيامية البيضاء مجرد مصادفات فى حياته ، فالأشياء البيضاء دائماً ما كانت
تخطف بصره وتأسر قلبه بقدر ما ينقبض من اللون الأسود . وخرج لأول مرة فى حياته
فى مظاهرة ليهتف بحماس ضد كل الأشياء السوداء ، ولم يكن يشعر – لفرط حماسه –
ببرودة يناير القارصة . وأثناء المظاهرة كانت تلتقى نظراته مع نظرات رفاقه فى
الجامعة ، فتعبر العيون عن الفرحة بما يصنعونه . ولكن الجنود أحاطوا بهم ،
وأوسعوهم ضرباً بالعصا المكهربة . واستطاعوا الإمساك به مع بعض رفاقه ،
واقتادوهم إلى مبنىً بارد ، ثم أدخلوهم إلى ضابط شاب أكسبته البدلة الرسمية
السوداء هيبة وجلالاً .
قال لهم الضابط
حانقاً :
- تهيجون الناس يا
أبناء الزوانى .
أوجعه أن تهان أمه
بهذا اللفظ . فتح فمه ليرد ، ولكن صفعة اعتقلت رده فى لسانه . احمر وجهه غيظاً
وقهراً .
علا صوت الضابط :
- إن لم يعجبك
الكلام ، نستطيع أن نزنى بأمك هنا أمامك .
وأشار الضابط
لرجاله ، فأمسكوه وجعلوا رأسه إلى الأرض ، وضربوه بعصاً رفيعة ملفوفة على
أقدامه المرفوعة لأعلى . حاول أن يتحداهم بتحمل الألم وعدم الصراخ . قال له
الضابط ساخراً :
- تظن نفسك رجلاً
؟!! .
ثم أردف مخاطباً
جنوده :
أعيدوا إليهم
عقولهم داخل الرؤوس .
اقتادهم الجنود
إلى غرفة باردة وكئيبة ، وتباروا فى إيلامهم وإهانتهم . ورسم له أحد الجنود
دشاً على الحائط وأجبره على خلع ملابسه والاستحمام تحته وسط ضحكات باقى الجنود
. لم يقو على الاحتجاج . كان يبتلع الإهانات ، فيشعر بمرارتها فى حلقه ، وهو
الذى لم يعتد الإهانات طيلة عمره القصير . وكان يضنيه التساؤل : ما الذى يبرر
إهانة أى إنسان ؟!! . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء ، فجاءت صورها باهتة مهتزة
.
كان رقيقاً
وضعيفاً ولم يستطع تحمل نوبات الضرب المبرح ، فأغمى عليه عدة مرات . عندما أفاق
من الإغماءة الأخيرة ، نظر بتلقائية – من خلال الضوء الضعيف بالغرفة – إلى ساعة
يده فوجدها تشير إلى الثالثة . اندهش لأنه كان قد نظر فى ساعته قبل أن يقبضوا
عليه بحوالى الساعة ، وكانت الثانية ظهراً . والآن قد حل المساء .
عند الفجر ألقوا
عليه ماءً باردًا ، فاستيقظ مذعوراً . وأخبره أحد الجنود بأنه قد أصبح ديكاً
وأن عليه أن يؤذن مثل الديكة حتى يوقظ رفاقه ، وجعلوه يؤذن كالديكة حتى استيقظ
رفاقه .
عندما أفرجوا عنه
، كان قد أحس بشرخ فى روحه ، شعر بأنه لن يلتئم أبداً . كانت روحه ممتهنة ، ولم
يكن قد جرب من قبل القهر والامتهان . نظر إلى الناس فى الشوارع ، فأحس بأنهم
مجرد آلات تتحرك . بدت له الشوارع كئيبة ومعتمة رغم أضواء المصابيح . حاول أن
يتوارى عن الناس حتى لا يروا روحه الممتهنة . حانت منه نظرة إلى ساعة يده .
كانت لا تزال تشير إلى الثالثة . لأول وهلة ظن أن الساعة قد أصابها العطب ،
ولكنه اندهش عندما رأى عقرب الثوانى يدور بلا انقطاع . وعندما مر بأحد المقاهى
، لاحظ أن الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى التاسعة والنصف .
عندما شاهدوه فى
البيت بعد هذا الغياب فرحوا ، ولكنه لم يستطع أن يفرح . ولما أفزعهم منظره
حاولوا إضحاكه . حاول أن يجاملهم ، ولكنه اكتشف عدم قدرته على الضحك . كان يخشى
أن يشاهدوا روحه المشروخة . أغلق عليه باب غرفته ، ولم يرد على الطرقات أو
النداءات . كان منكفئاً على شرخ روحه الذى بدأ يتشعب ليصبح عدة شروخ . نظر بيأس
إلى ساعة يده وكانت لا تزال تشير إلى الثالثة رغم دوران عقرب الثوانى .
عندما حاول بعد
ذلك أن يفتح أحد الكتب ، تراءت له على الصفحات مشاهد امتهانه ، فأغلق الكتاب
بعنف ليهرب منها ، ولكنها ظلت تطارده بلا رحمة . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء
: البالطو ووجه الحبيبة والقطة السيامية ، ولكن الذاكرة كانت عصية . فقط كانت
بدلة الضابط الرسمية السوداء هى التى تلح على مخيلته . نظر بحنق إلى ساعته وقرر
يائساً أن يذهب إلى محل الساعاتى .
ناوله الساعاتى
ساعته وهو يقول له باسماً :
- الساعة سليمة
وليس بها عطب .
وضعها فى يده بصمت
، ومضى ساهماً . كان ينظر إلى مشاهد الحياة فى الشوارع بعدم اكتراث . البيوت
لازالت كئيبة ، والناس لا يزالوا مجرد آلات تتحرك .
سأله أحد المارة :
- كم الساعة الآن
؟
أجاب دون أن ينظر
إلى ساعته :
- الثالثة تماماً
.
نظر إليه السائل
فى ذهول ، ثم ابتعد عنه مهرولاً .
لم يحك لأحد عن
وجعه . كان يلتف بصمته ، ويحاول أن يتوارى عن العيون حتى لا يلاحظ أحد شروخ
روحه التى كانت تتسع وتتشعب بلا نهاية .
|